موقع شامل
 
الرئيسيةwassimاليوميةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (سورة الأنعام ) المائدة . الاعراف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
wassim
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3300
نقاط : 9499
السٌّمعَة : 37
تاريخ التسجيل : 23/10/2009
العمر : 24

مُساهمةموضوع: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (سورة الأنعام ) المائدة . الاعراف   الأحد فبراير 28, 2010 9:01 am

سورة
الأنعام


قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ..} الآية، هذه
الآية الكريمة تدل على أن الله مولى الكافرين ونظيرها قوله تعالى:
{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ
مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}. وقد جاء
في آية أخرى ما يدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ}.
والجواب عن هذا أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما
شاء, ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين أي ولاية المحبة والتوفيق
والنصر، والعلم عند الله تعالى. وأما على قول من قال: إن الضمير في قوله:
{رُدُّوا}, وقوله: {مَوْلاهُمُ} عائد على الملائكة فلا إشكال في الآية
أصلاً, ولكن الأول أظهر.
• قوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ
يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ}, هذه الآية الكريمة يفهم منها أنه لا إثم على من جالس الخائضين
في آيات الله بالاستهزاء والتكذيب. وقد جاءت آية تدل على أن من جالسهم كان
مثلهم في الإثم وهي قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} إلى قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ}.
اعلم
أولا أن في معنى قوله: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ
مِنْ شَيْءٍ} وجهين للعلماء:
الأول: أن المعنى: وما على الذين يتقون
مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شيء, وعلى هذا
الوجه فلا إشكال في الآية أصلا.
الوجه الثاني: أن معنى الآية وما على
الذين يتقون ما يقع من الكفار في الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من
شيء, وعلى هذا القول فهذا الترخيص في مجالسة الكفار للمتقين من المؤمنين
كان في أول الإسلام للضرورة ثم نسخ بقوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذاً
مِثْلُهُمْ}, وممن قال بالنسخ فيه مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم كما نقله
عنهم ابن كثير. فظهر أن لا إشكال على كلا القولين. ومعنى قوله تعالى:
{وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} على الوجه الأول أنهم إذا
اجتنبوا مجالستهم سلموا من الإثم ولكن الأمر باتقاء مجالستهم عند الخوض في
الآيات لا يسقط وجوب تذكيرهم ووعظهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
لعلهم يتقون الله بسبب ذلك, وعلى الوجه الثاني فالمعنى أن الترخيص في
المجالسة لا يسقط التذكير لعلهم يتقون الخوض في آيات الله بالباطل إذا وقعت
منكم الذكرى لهم وأما جعل الضمير للمتقين فلا يخفى بعده والعلم عند الله
تعالى.
• قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ
حَوْلَهَا}، يتوهم منه الجاهل أن إنذاره صلى الله عليه وسلم مخصوص بأم
القرى وما يقرب منها دون الأقطار النائية عنها لقوله تعالى: {وَمَنْ
حَوْلَهَا}, ونظيره قوله تعالى في سورة الشورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ}. وقد جاءت آيات أخر تصرّح
بعموم إنذاره صلى الله عليه وسلم لجميع الناس كقوله تعالى: {تَبَارَكَ
الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ
نَذِيراً} ، وقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ، وقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} ، وقوله: {وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاس} ، والجواب من وجهين:
الأول: أن
المراد بقوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} شامل لجميع الأرض كما رواه ابن جرير
وغيره عن ابن عباس.
الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن قوله:
{وَمَنْ حَوْلَهَا} لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة - حرسها الله -
كجزيرة العرب مثلا فإن الآيات الأخر نصت على العموم كقوله: {لِيَكُونَ
لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه عند
عامة العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو ثور, وقد قدمنا ذلك واضحا بأدلته في
سورة المائدة، فالآية على هذا القول كقوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ}, فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم كما هو واضح والعلم عند
الله تعالى.
• قوله تعالى: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً
وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}, وقوله أيضاً: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}, أثبت في هاتين الآيتين التشابه
للزيتون والرمان ونفاه عنهما .
والجواب: ما قاله قتادة - رحمه الله - من
أن المعنى متشابها ورقها, مختلفا طعمها, والله تعالى أعلم.
• قوله
تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ، هذه الآية الكريمة توهم أن الله
تعالى لا يرى بالأبصار, وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يرى بالأبصار، كقوله
تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}،
وكقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}، فالحسنى: الجنة,
والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ
فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} على أحد القولين، وكقوله تعالى في الكفار:
{كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}، يفهم من دليل
خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول:
أن المعنى: لا تدركه الأبصار أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة.
الثاني:
أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة, وهذا قريب في المعنى من
الأول.
الثالث: وهو الحق: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر
بالإحاطة بالكنه, أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه بل هو ثابت بهذه
الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.
وحاصل
هذا الجواب أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية لأن الإدراك المراد به الإحاطة,
والعرب تقول: "رأيت الشيء وما أدركته", فمعنى لا تدركه الأبصار: لا تحيط
به كما أنه تعالى يعلمه الخلق ولا يحيطون به علما، وقد اتفق العقلاء على أن
نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم, فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق
الرؤية مع أن الله تعالى لا يدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق, والدليل
على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا: "حجابه النور
أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، فالحديث
صريح في عدم الرؤية في الدنيا ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقا. والحاصل
أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلا في الدنيا والآخرة؛ لأن كل موجود يجوز
أن يرى عقلا، وأما في الشرع فهي جائزة وواقعة في الآخرة ممتنعة في الدنيا،
ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعا: "إنكم لن تروا
ربكم حتى تموتوا" والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة والعلم
عند الله تعالى.
• قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}, لا
يعارض آيات السيف لأنها ناسخة له.
• قوله تعالى: {قَالَ النَّارُ
مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ}، هذه الآية الكريمة
يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا ونظيرها قوله
تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ
وَشَهِيقٌ, خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاّ
مَا شَاءَ رَبُّك}، وقوله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً}، وقد جاءت
آيات تدل على أنّ عذابهم لا انقطاع له كقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}.
والجواب
عن هذا من أوجه:
أحدها: أن قوله تعالى: {إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ} معناه
إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين، وقد ثبت في
الأحاديث الصحيحة أن بعض أهل النار يخرجون منها وهم أهل الكبائر من
الموحدين، ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة والضحاك وأبي سنان وخالد بن
معدان واختاره ابن جرير وغاية ما في هذا القول إطلاق ما ورد ونظيره في
القرآن {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}.
الثاني: أن
المدة التي استثناها الله هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في
مصيرهم قاله ابن جرير أيضا.
الوجه الثالث: أن قوله {إِلاّ مَا شَاءَ
اللهُ} فيه إجمال وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون
فيها أبداً, وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له, والظهور من المرجحات, فالظاهر
مقدم على المجمل كما تقرر في الأصول.
ومنها: أنّ "إِلاّ" في سورة هود
بمعنى: "سوى ما شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض". وقال
بعض العلماء: إن الاستثناء على ظاهره وأنه يأتي على النار زمان ليس فيها
أحد، وقال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد،
وذلك بعدما يلبثون أحقابا"، وعن ابن عباس: "أنها تأكلهم بأمر الله". قال
مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن هذه النار التي
لا يبقى فيها أحد يتعين حملها على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين كما
جزم به البغوي في تفسيره؛ لأنه يحصل به الجمع بين الأدلة, وإعمال الدليلين
أولى من إلغاء أحدهما، وقد أطبق العلماء على وجوب الجمع إذا أمكن, أما ما
يقول كثير من العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أن النار تفنى وينقطع العذاب
عن أهلها، فالآيات القرآنية تقتضي عدم صحته, وإيضاحه أن المقام لا يخلو من
إحدى خمس حالات بالتقسيم الصحيح وغيرها راجع إليها:
الأولى: أن يقال
بفناء النار وأن استراحتهم من العذاب بسبب فنائها.
الثانية: أن يقال
إنهم ماتوا وهي باقية.
الثالثة: أن يقال إنهم أخرجوا منها وهي باقية.
الرابعة:
أن يقال: إنهم باقون فيها إلا أن العذاب يخف عليهم. وذهاب العذاب رأسا
واستحالته لذة لم نذكرهما من الأقسام لأنا نقيم البرهان على نفي تخفيف
العذاب, ونفي تخفيفه يلزمه نفي ذهابه واستحالته لذة, فاكتفينا به لدلالة
نفيه على نفيهما, وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه.
أما
فناؤها فقد نص تعالى على عدمه بقوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ
سَعِيراً}, وقد قال تعالى: {إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك} في خلود أهل الجنة
وخلود أهل النار وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله: {عَطَاءً
غَيْرَ مَجْذُوذٍ}, وبقوله: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ
نَفَادٍ}, وقوله: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ}،
وبيّن عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ
سَعِيراً}, فمن يقول إن للنار خبوة ليس بعدها زيادة سعير رد عليه بهذه
الآية الكريمة. ومعلوم أن (كُلَّمَا) تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي
بعدها، ونظيرها قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ
جُلُوداً غَيْرَهَا} الآية. وأما موتهم فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: {لا
يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا}, وقوله: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ
كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}, وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم
في الحديث الصحيح أن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح,
وإذا ذبح الموت حصل اليقين بأنه لا موت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
ويقال: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". وأما
إخراجهم منها فنص تعالى على عدمه بقوله: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ
يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا}, وبقوله: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ
مِنْهَا}.
وأما تخفيف العذاب عنهم فنص تعالى على عدمه بقوله: {وَلا
يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ},
وقوله: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَاباً}, وقوله: {لا
يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}, وقوله: {إِنَّ عَذَابَهَا
كَانَ غَرَاماً}, وقوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً}, وقوله تعالى: {فَلا
يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ}, وقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ
مُقِيمٌ}. ولا يخفى أن قوله: {لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا}
وقوله: {لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} كلاهما فعل في سياق النفي فحرف النفي ينفي
المصدر الكامن في الفعل فهو في معنى لا تخفيف للعذاب عنهم ولا تفتير له,
والقول بفنائها يلزمه تخفيف العذاب وتفتيره المنفيان في هذه الآيات, بل
يلزمه ذهابهما رأسا, كما أنه يلزمه نفي ملازمة العذاب المنصوص عليها بقوله:
{فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} وقوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً}
وإقامته النصوص عليها بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}.
فظاهر هذه
الآيات عدم فناء النار المصرح به في قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ
سَعِيراً} وما احتج به بعض العلماء من أنه لو فرض أن الله أخبر بعدم فنائها
أن ذلك لا يمنع فناءها لأنه وعيد وإخلاف الوعيد من الحسن لا من القبيح,
وأن الله تعالى ذكر أنه لا يخلف وعده ولم يذكر أنه لا يخلف وعيده وأن
الشاعر قال:
وإنـي وإن أوعدتـه أو وعدتـه

لمخلف إيعادي ومنجز
موعدي

فالظاهر عدم صحته لأمرين:
الأول: أنه يلزم جواز ألاّ يدخل
النار كافر لأن الخبر بذلك وعيد وإخلافه على هذا القول لا بأس به.
الثاني:
أنه تعالى صرح بحق وعيده على من كذب رسله حيث قال: {كُلٌّ كَذَّبَ
الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد}ِ, وقد تقرر في مسلك النص من مسالك العلة أن
الفاء من حروف التعليل كقولهم "سها فسجد" أي سجد لعلة سهوه, و"سرق فقطعت
يده" أي لعلة سرقته فقوله: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد} أي
وجب وقوع الوعيد عليهم لعلة تكذيب الرسل ونظيرها قوله تعالى: {إِنْ كُلٌّ
إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}.
ومن الأدلة الصريحة في ذلك
تصريحه تعالى بأن قوله لا يبدل فيما أوعد به أهل النار حيث قال: {لا
تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ, مَا
يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ}, ويستأنس
لذلك بظاهر قوله تعالى: {وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ
وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ
اللهِ حَقّ}, وقوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} فالظاهر أن الوعيد
الذي يجوز إخلافه وعيد عصاة المؤمنين لأن الله بيّن ذلك بقوله: {وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.
فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع
هذه الأقسام تعيّن القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبداً بلا انقطاع ولا
تخفيف بالتقسيم والسبر الصحيح, ولا غرابة في ذلك لأن خبثهم الطبيعي دائم لا
يزول فكان جزاؤهم دائما لا يزول, والدليل على أن خبثهم لا يزول قوله
تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} الآية، فقوله:
{خَيْراً} نكرة في سياق الشرط فهي تعم, فلو كان فيهم خير ما في وقت ما
لعلمه الله، وقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}،
وعودهم بعد معاينة العذاب لا يستغرب بعده عودهم بعد مباشرة العذاب لأن
رؤية العذاب عيانا كالوقوع فيه لا سيما وقد قال تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ
غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}, وقال: {أَسْمِعْ بِهِمْ
وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} الآية. وعذاب الكفار للإهانة والانتقام لا
للتطهير والتمحيص كما أشار له تعالى بقوله: {وَلا يُزَكِّيهِمْ}, وبقوله:
{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى:
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا
آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} الآية، هذا الكلام الذي قالوه
بالنظر إلى ذاته كلام صدق لا شك فيه؛ لأن الله لو شاء لم يشركوا به شيئا
ولم يحرموا شيئا مما لم يحرمه كالبحائر والسوائب وقد قال تعالى: {وَلَوْ
شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا}, وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ
نَفْسٍ هُدَاهَا}, وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى
الْهُدَى}, وإذا كان هذا الكلام الذي قاله الكفار حقا فما وجه تكذيبه تعالى
لهم بقوله: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا
بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ
تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ}، ونظير
هذا الإشكال بعينه في سورة الزخرف في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ
الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ
إِلاّ يَخْرُصُونَ}.
والجواب أن هذا الكلام الذي قاله الكفار كلام حق
أريد به باطل فتكذيب الله لهم واقع على باطلهم الذي قصدوه بهذا الكلام
الحق، وإيضاحه: أن مرادهم أنهم لما كان كفرهم وعصيانهم بمشيئة الله وأنه لو
شاء لمنعهم من ذلك فعدم منعه لهم دليل على رضاه بفعلهم فكذبهم الله في ذلك
مبيّنا أنه لا يرضى بكفرهم كما نص عليه بقوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ
الْكُفْرَ}, فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية يلزمها الرضى وهو زعم باطل
[f
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://teamdz.yoo7.com
wassim
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3300
نقاط : 9499
السٌّمعَة : 37
تاريخ التسجيل : 23/10/2009
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (سورة الأنعام ) المائدة . الاعراف   الأحد فبراير 28, 2010 9:04 am

سورة
المائدة:


قوله
تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} الآية، هذه الآية الكريمة تدل بعمومها
على إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقاً ولو سموا عليها غير الله أو سكتوا ولم
يسموا الله ولا غيره لأن الكل داخل في طعامهم وقد قال ابن عباس وأبو أمامة
ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدى
ومقاتل بن حيان أن المراد بطعامهم ذبائحهم كما نقله عنهم ابن كثير ونقله
البخاري عن ابن عباس ودخول ذبائحهم في طعامهم أجمع عليه المسلمون مع أنه
جاءت آيات أخر تدل على أن ما سمي عليه غير الله لا يجوز أكله وعلى أن ما لم
يذكر اسم الله عليه لا يجوز أكله أيضاً، أما التي دلت على منع أكل ما ذكر
عليه اسم غير الله فكقوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} في
سورة البقرة وقوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} في المائدة
والنحل وقوله في الأنعام: {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}
والمراد بالإهلال رفع الصوت باسم غير الله عند الذبح. وأما التي دلت على
منع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فكقوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الآية وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا
ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ..
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}
فإنه يفهم عدم الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه والجواب عن هذا مشتمل على
مبحثين:
الأول: في وجه الجمع بين عموم آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} مع عموم الآيات المحرمة لما أهل به لغير الله
فيما إذا سمّى الكتابي على ذبيحته غير الله بأن أهل بها للصليب أو عيسى أو
نحو ذلك.
المبحث الثاني: في وجه الجمع بين آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ} أيضاً مع قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ
اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فيما إذا لم يسم الكتابي الله ولا غيره على
ذبيحته. أما المبحث الأول، فحاصله أن بين قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} وبين قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهِ} عموماً وخصوصاً من وجه تنفرد آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ} في الخبز والجبن من طعامهم مثلاً وتنفرد آية {وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} في ذبح الوثني لوثنه ويجتمعان في ذبيحة
الكتابي التي أهل بها لغير الله كالصليب أو عيسى فعموم قوله: {وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} يقتضي تحريمها وعموم {وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ} يقتضي حليتها وقد تقرر في علم الأصول أن الأعمين من
وجه يتعارضان في الصورة التي يجتمعان فيها فيجب الترجيح بينهما والراجح
منهما يقدم ويخصص به عموم الآخر كما قدمنا في سورة النساء في الجمع بين
قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} مع قوله تعالى: {أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} وكما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وإن
يك العموم من وجه ظهر فالحكم بالترجيح حتما معتبر
فإذا حققت ذلك فاعلم
أن العلماء اختلفوا في هذين العمومين أيهما أرجح فالجمهور على ترجيح الآيات
المحرمة وهو مذهب الشافعي ورواية عن مالك ورواه إسماعيل بن سعيد عن الإمام
أحمد ذكره صاحب المغنى وهو قول ابن عمر وربيعة كما نقله عنهما البغوي في
تفسيره وذكره النووي في شرح المهذب عن على وعائشة ورجح بعضهم عموم آية
التحليل بأن الله أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون كما احتج به الشعبي
وعطاء على إباحة ما أهلوا به لغير الله قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر
والله تعالى أعلم أن عموم آيات المنع أرجح وأحق بالاعتبار من طرق متعدده:
منها قوله صلى الله عليه وسلم: "والإثم ما حاك في النفس" الحديث, وقوله صلى
الله عليه وسلم: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". ومنها أن درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح كما تقرر في الأصول وينبني على ذلك أن النهي
إذا تعارض مع الإباحة كما هنا فالنهي أولى بالتقديم والاعتبار لأن ترك
مباح أهون من ارتكاب حرام بل صرح جماهير من الأصوليين بأن النص الدال على
الإباحة في المرتبة الثالثة من النص الدال على نهي التحريم لأن نهي التحريم
مقدم على الأمر الدال على الوجوب لما ذكرنا من تقديم درء المفاسد على جلب
المصالح والدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة للإحتياط في البراءة
من عهدة الطلب وقد أشار إلى هذا صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار
المدلول بقوله:
وناقل ومثبت والآمر
بعد النواهي ثم هذا الاخر

على
إباحة الخ...
فإن معنى قوله: "والأمر بعد النواهي" أن ما دل على الأمر
بعد ما دل على النهي فالدال على النهي هو المقدم وقوله: "ثم هذا الآخر على
إباحة" يعني أن النص الدال على الأمر مقدم على الإباحة كما ذكرنا فتحصل أن
الأول النهي فالأمر فالإباحة فظهر تقديم النهي عما أهل به لغير الله على
إباحة طعام أهل الكتاب. واعلم أن العلماء اختلفوا فيها حرم على أهل الكتاب
كشحم الجوف من البقر والغنم المحرم على اليهود هل يباح للمسلم مما ذبحه
اليهودي فالجمهور على إباحة ذلك للمسلم لأن الذكاة لا تتجزأ وكرهه مالك
ومنعه بعض أصحابه كابن القاسم وأشهب واحتج عليهم الجمهور بحجج لا ينهض
الاحتجاج بها عليهم فيما يظهر وإيضاح ذلك أن أصحاب مالك احتجوا بقوله
تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} قالوا
المحرم عليهم ليس من طعامهم حتى يدخل فيما أحلته الآية فاحتج عليهم الجمهور
بما ثبت في صحيح البخاري من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن
مغفل رضي الله عنه على أخذ جراباً من شحم اليهود يوم خيبر وبما رواه الإمام
أحمد ابن حنبل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز
وشعير وإهالة سنخة أي ودك متغير الريح وبقصة الشاه المسمومة التي سمتها
اليهودية له صلى الله عليه وسلم ونهش ذراعها ومات منها بشر بن البراء بن
معرور وهي مشهورة صحيحة قالوا أنه صلى الله عليه وسلم عزم على أكلها هو ومن
معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أو لا وقد تقرر
في الأصول أن ترك الاستفصال بمنزلة العموم في الأقوال كما أشار له في مراقي
السعود بقوله:
ونزلن ترك الاستفصال
منزلة العموم في المقال

والذي
يظهر لمقيدة عفا الله عنه أن هذه الأدلة ليس فيها حجة على أصحاب مالك أما
حديث عبد الله بن مغفل وحديث أنس رضي الله عنهما فليس في واحد منهما النص
على خصوص الشحم المحرم عليهم ومطلق الشحم ليس حراماً عليهم بدليل قوله
تعالى: {إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا
اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} فما في الحديثين أعم من محل النزاع والدليل على الأعم
ليس دليلاً على الأخص لأن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص بإجماع العقلاء
ومثل رد هذا الاحتجاج بما ذكرنا هو القادح في الدليل المعروف عند الأصوليين
بالقول بالموجب وأشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
والقول بالموجب قدحه
جلا وهو تسليم الدليل مسجلا
من مانع أن الدليل استلزما لما من الصور
فيه اختصما
أما القول بالموجب عند البيانيين فهو من أقسام البديع
المعنوي وهو ضربان معروفان في علم البلاغة وقصدنا هنا القول بالموجب
بالاصطلاح الأصولي لا البياني وأما تركه صلى الله عليه وسلم الاستفصال في
شاة اليهودية فلا يخفي أنه لا دليل فيه لأنه صلى الله عليه وسلم ينظر بعينه
ولا يخفي علية شحم الجوف ولا شحم الحوايا ولا الشحم المختلط بعظم كما هو
ضروري فلا حاجة إلى السؤال عن محسوس حاضر وأجرى الأقوال على الأصول في مثل
الشحم المذكور الكراهة التنزيهية لعدم دليل جازم على الحل أو التحريم لأن
ما يعتقد الشخص أنه حرام عليه ليس من طعامه والذكاة لا يظهر تجزؤها فحكم
المسألة مشتبه ومن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه وأما البحث الثاني: وهو
الجمع بين قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} مع
قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}
فيما إذا لم يذكر الكتابي على ذبيحته اسم الله ولا اسم غيره فحاصله أن في
قوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}
وجهين من التفسير أحدهما وإليه ذهب الشافعي وذكر ابن كثير في تفسيره لها
أنه قوي أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو ما أهل به لغير الله وعلى
هذا التفسير فمبحث هذه الآية هو المبحث الأول بعينه لاشيء آخر.
الوجه
الثاني: أنها على ظاهرها وعليه فبين الآيتين أيضاً عموم وخصوص من وجه تتفرد
آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فيما ذبحه الكتابي وذكر
عليه اسم الله فهو حلال بلا نزاع وتنفرد آية {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فيما ذبحه وثني أو مسلم لم يذكر اسم الله
عليه فما ذبحه الوثني حرام بلا نزاع وما ذبحه المسلم من غير تسمية يأتي
حكمه إن شاء الله ويجتمعان فيما ذبحه كتابي ولم يسم الله عليه فيتعارضان
فيه فيدل عموم {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} على الإباحة ويدل
عموم {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} على
التحريم فيصار إلى الترجيح كما قدمنا واختلف في هذين العمومين أيضاً أيهما
أرجح فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ} الآية وقال بعضهم بترجيح عموم {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ
يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قال النووي في شرح المهذب: "ذبيحة أهل
الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله عليها أم لا لظاهر القرآن العزيز هذا
مذهبنا ومذهب الجمهور وحكاه ابن المنذر عن علي والنخعي وحماد بن سليمان
وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم فإن ذبحوا على صنم أو غيره لم يحل" انتهى
محل الغرض منه بلفظه. وحكى النووي القول الآخر عن علي أيضاً وأبي ثور
وعائشة وابن عمر. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن
لعموم كل من الآيتين مرجحاً وأن مرجح آية التحليل أقوى بالاعتبار أما آية
التحليل فيرجح عمومها بأمرين:
الأول: أنها أقل تخصيصاً وآية التحريم
أكثر تخصيصاً لأن الشافعي ومن وافقه خصصوها بما ذبح لغير الله وخصصها
الجمهور بما تركت فيه التسمية عمداً قائلين أن تركها نسياناً لا أثر له
وآية التحليل ليس فيها من التخصيص غير صورة النزاع إلا تخصيص واحد وهو ما
قدمنا من أنها مخصوصة بما لم يذكر عليه اسم غير الله على القول الصحيح وقد
تقرر في الأصول أن الأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً كما أن ما لم
يدخله التخصيص أصلا مقدم على ما دخله وعلى هذا جمهور الأصوليين وخالف فيه
السبكي والصفي الهندي وبيّن صاحب نشر البنود في شرح مراقي السعود في مبحث
الترجيح باعتبار حال المروى في شرح قوله:
تقديم ما خص على ما لم يخص
وعكسه
كل أتى عليه نص

أن الأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً وأن ما
لم يدخله التخصيص مقدم على ما دخله عند جماهير الأصوليين وأنه لم يخالف فيه
إلا السبكى وصفي الدين الهندي.
والثاني: ما نقله ابن جرير ونقله عنه
ابن كثير عن عكرمة والحسن البصري ومكحول أن آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ} ناسخة لآية {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ
اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وقال ابن جرير وابن كثير أن مرادهم بالنسخ التخصيص
ولكنا قدمنا أن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ لأن التخصيص بيان والبيان لا
يجوز تأخيره عن وقت العمل.
ويدل لهذا أن آية {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا
لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} من سورة الأنعام وهي مكية بالإجماع
وآية {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} من المائدة وهي من آخر ما
نزل من القرآن بالمدينة. وأما آية التحريم فيرجع عمومها بما قدمنا من
مرجحات قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} لأن كلتاهما دلت
على نهي يظهر تعارضه مع إباحة وحاصل هذه المسألة أن ذبيحة الكتابي لها خمس
حالات لا سادسة لها.
الأولى: أن يعلم أنه سمى الله عليها و هذه تؤكل
بلا نزاع ولا عبرة بخلاف الشيعة في ذلك لأنهم لا يعتد بهم في الإجماع.
الثانية:
أن يعلم أنه أهل بها لغير لله ففيها خلاف وقد قدمنا أن التحقيق أنها لا
تؤكل لقوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ}.
الثالثة: أن يعلم
أنه جمع بين اسم الله واسم غيره وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضاً لدخولها
فيما أهل لغير الله.
الرابعة: أن يعلم أنه سكت ولم يسم الله ولا غيره
فالجمهور على الإباحة وهو الحق والبعض على التحريم كما تقدم.
الخامسة:
أن يجهل الأمر لكونه ذبح حالة انفراده فتؤكل على ما عليه جمهور العلماء وهو
الحق إن لم يعرف الكتابي بأكل الميتة كالذي يسل عنق الدجاجة بيده فإن عرف
بأكل الميتة لم يؤكل ما غاب عليه عند بعض العلماء وهو مذهب مالك ويجوز أكله
عند البعض بل قال ابن العربي المالكي: "إذا عايناه يسل العنق الدجاجة بيده
فلنا الأكل منها لأنها من طعامه والله أباح لنا طعامه" واستبعده ابن عبد
السلام قال مقيده عفا الله عنه: هو جدير بالاستبعاد فكما أن نسائهم يجوز
نكاحهن ولا تجوز مجامعتهن في الحيض فكذلك طعامهم يجوز لنا من غير إباحة
الميتة لأن غاية الأمر أن ذكاة الكتابي تحل مذكاة كذكاة المسلم وما وعدنا
به من ذكر الحكم ما ذبحه المسلم ولم يسم الله عليه فحاصله أن فيه ثلاثة
أقوال. أرجحها وهو مذهب الجمهور أنه إن ترك التسمية عمداً لم تؤكل لعموم
قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ} وإن تركها نسياناً أكلت لأنه لو تذكر لسمّى الله. قال ابن جرير:
"من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول الحجة وخالف الخبر الثابت عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم" قال ابن كثير: "أن بن جرير يعني بذلك ما رواه
البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم المسلم يكفيه اسمه إن نسي
أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله" ثم قال ابن كثير: "أن رفع هذا
الحديث خطأ أخطأ فيه بن عبيد الله الجزري والصواب وقفه على بن عباس كما
رواه بذلك سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي ومما استدل به البعض
على أكل ذبيحة الناسي للتسمية دلالة الكتاب والسنة والإجماع على العذر
بالنسيان ومما استدل به البعض لذلك حديث رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي عن
أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله
رأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسم
الله على كل مسلم" ذكر ابن كثير هذا الحديث وضعفه بأن في إسناده مروان بن
سالم أبا عبد الله الشامي وهو ضعيف.
القول الثاني: أن ذبيحة المسلم تؤكل
ولو ترك التسمية عمداً وهو مذهب الشافعي رحمه الله كما تقدم لأنه يرى أنه
ما لم يذكر اسم الله عليه يراد به ما أهل به لغير الله لا شيء آخر وقد ادعى
بعضهم انعقاد الإجماع قبل الشافعي عل أن متروك التسمية عمداً لا يؤكل
ولذلك قال أبو يوسف وغيره: "لو حكم الحاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفته
الإجماع" واستغرب ابن كثير حكاية الإجماع على ذلك قائلاً: "إن الخلاف فيه
قبل الشافعي معروف".
القول الثالث: أن المسلم إذا لم يسم على ذبيحته لا
تؤكل مطلقاً تركها عمداً أو نسياناً وهو مذهب داود الظاهري وقال ابن كثير:
"ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين أنهما كرها متروك التسمية
نسياناً والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيراً" ثم ذكر ابن كثير أن
ابن جرير لا يعتبر مخالفة الواحد أو الاثنين للجمهور فيعده إجماعاً مع
مخالفة الواحد أو الاثنين ولذلك حكى الإجماع على أكل متروك التسمية نسياناً
مع أنه نقل خلاف ذلك عن الشعبي وابن سيرين.
مسائل مهمة تتعلق بهذه
المباحث:
المسألة الأولى: اعلم أن كثيراً من العلماء من المالكية
والشافعية وغيرهم يفرقون بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم وبين ما ذبحوه لعيسى
أو جبريل أو لكنائسهم قائلين أن الأول مما أهل به لغير الله دون الثاني
فمكروه عندهم كراهة تنزيه مستدلين بقوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ}. والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه أن هذا الفرق باطل بشهادة
القرآن الكريم لأن الذبح على وجه القربة عبادة بالإجماع فقد قال تعالى:
{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} الآية فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله فقد
جعله شريكاً مع الله في هذه العبادة التي هي الذبح سواء كان نبياً أو
ملكاً أو بناءً أو شجراً أو حجرً أو غير ذلك لا فرق في ذلك بين صالح وطالح
كما نص عليه تعالى بقوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين
أرباباً} ثم بين أن فاعل ذلك كافر بقوله تعالى: {أيأمركم بالكفر بعد إذ
أنتم مسلمون}. وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا
عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ
بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية. فإن قيل قد رخص
في كل ما ذبحوه لكنائسهم أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية
والقاسم بن مخيمرة وحمزة ابن حبيب وأبو سلمة الخولاني وعمر بن الأسود
ومكحول والليث بن سعد وغيرهم، فالجواب: أن هذا قول جماعة من العلماء من
الصحابة ومن بعدهم وقد خالفهم فيه غيرهم وممن خالفهم أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها والإمام الشافعي رحمه الله والله تعالى يقول:{فَإِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} الآية فنرد هذا النزاع
إلى الله فنجده حرم ما أهل به لغير الله وقوله: { لِغَيْرِ اللَّهِ} يدخل
فيه الملك والنبي كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان وقد وافقونا في منع
ما ذبحوه باسم الصنم وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك
وبين الصنم والنصب فلزمهم القول بالمنع وأما استدلالهم بقوله: {وَمَا
ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} فلا دليل فيه لأن قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ} ليس بمخصص لقوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} لأنه
ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}.
وقد
تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصص على الصحيح
وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي ثور محتجاً بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص
وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة وفائدة ذكر البعض نفي
احتمال إخراجه من العام، فإذا حققت ذلك فاعلم أن ذكر البعض لا يخصص العام
سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} أو ذكر كل واحد منهما على حدة كحديث الترمذي وغيره
"أيّما إهاب دبغ فقد طهر" مع حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بشاة
ميتة فقال: "هلا أخذتم إهابها " الحديث فذكر الصلاة الوسطى في الأول لا يدل
على عدم المحافظة على غيرها من الصلوات وذكر إهاب الشاة في الأخير لا يدل
على عدم الانتفاع بإهاب غير الشاة لأن ذكر البعض لا يخصص العام وكذلك رجوع
ضمير البعض لا يخصص أيضاً على الصحيح كقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} فإن الضمير راجع إلى قوله:
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} وهو لخصوص الرجعيات من المطلقات مع أن
تربص ثلاثة قروء عام للمطلقات من رجعيات وبوائن وإلا هذا أشار في مراقي
السعود مبيناً معه أيضاً أن سبب الواقعة لا يخصصها وأن مذهب الراوي ر يخصص
مرويه على الصحيح فيها أيضاً بقوله:
ودع ضمير البعض والأسبابا
وذكر
ما وافه من مفرد

.................................... ومذهب الراوي
على المعتمد

وروي عن الشافعي وأكثر الحنفية التخصيص بضمير البعض
وعليه فتربص البوائن ثلاثة قروء مأخوذ من دليل آخر أما عدم التخصيص بذكر
البعض فلم يخالف فيه إلا أبو ثور وتقدم رد مذهبه ولو سلمنا أن الآية معارضة
بقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فإنا
نجد النبي صلى الله عليه وسلم أمر بترك مثل هذا الذي تعارضت فيه النصوص
بقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
المسألة الثانية: اختلف العلماء
في ذكاة نصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة ونحوهم
فالجمهور عل أن ذبائحهم لا تؤكل قال ابن كثير: "وهو مذهب الشافعي" ونقله
النووي في شرح المذهب عن على وعطاء وسعيد ابن جبير ونقل النووي أيضاً إباحة
ذكاتهم عن ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخرساني والزهري والحكم وحماد
وأبي حنيفة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وصحح هذا القول ابن قدامة في المغنى
محتجاً بعموم قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}
وحجة القول الأول ما روي عن عمر رضي الله عنه قال: "ما نصارى العرب بأهل
كتاب لا تحل لنا ذبائحهم" وما روي عن علي رضي الله عنه: "لا تحل ذبائح
نصارى بنى تغلب لأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ولا يعلم هل دخلوا في
دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل فصاروا كالمجوس لما أشكل أمرهم في
الكتاب لم تؤكل ذبائحهم" ذكر هذا صاحب المهذب وسكت عليه النووي في الشرح
قائلاً: "إنه حجة الشافعية في منع ذبائحهم" ويفهم منه عدم إباحة أكل ذكاة
اليهود والنصارى اليوم لتبديلهم لا سيما فيمن عرفوا منهم بأكل الميتة
كالنصارى.
المسألة الثالثة: ذبائح المجوس لا تحل للمسلمين قال النووي في
شرح المهذب: "هي حرام عندنا وقال به جمهور العلماء ونقله ابن المنذر عن
أكثر العلماء" وقال: "وممن قال به سعيد بن المسيب وعطاء بن أبى رباح وسعيد
ابن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد الله بن يزيد ومرة
الهمذاني والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وقال ابن كثير في
تفسير قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}: "وأما
المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعاً وإلحاقاً لأهل الكتاب فإنهم لا
تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم خلافا لأبى ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد
الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد ابن حنبل ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر
عليه الفقهاء حتى قال عنه الأمام أحمد: "أبو ثور كاسمه" يعنى في هذه
المسألة وكأنه تمسك بعموم حديث روى مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ولكن لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الذي في
صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ
الجزية من مجوس هجر" ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فدل بمفهومه مفهوم
المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل" انتهى كلام ابن
كثير بلفظه واعترض عليه في الحاشية الشيخ السيد محمد رشيد رضا بما نصه فيه
"أن هذا مفهوم لقب وهو ليس بحجة"، قال مقيده عفا الله عنه : الصواب مع
الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى واعتراض الشيخ عليه سهو منه لأن مفهوم
قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} مفهوم علة لا مفهوم اللقب كما ظنه
الشيخ لأن مفهوم اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما علق فيه الحكم باسم جامد
سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع وضابطه أنه هو الذي ذكر ليمكن
الإسناد إليه فقط لا لاشتماله على صفة تقتضي تخصيصه بالذكر دون غيره أما
تعليق هذا الحكم الذي هو إباحة طعامهم بالوصف بإيتاء الكتاب صالح لأن يكون
مناط الحكم بحلية طعامهم وقد دل المسلك الثالث من مسالك العلة المعروف
بالإيماء والتنبيه على أن مناط حلية طعامهم هو إيتاؤهم الكتاب وذلك بعينه
هو المناط لحلية نكاح نسائهم لأن ترتيب الحكم بحلية طعامهم ونسائهم على
إيتائهم الكتاب لو لم يكن لأنه علته لما كان في التخصيص بإيتاء الكتاب
فائدة ومعلوم أن ترتيب الحكم على وصف لو لم يكن علته لكان حشوا من غير
فائدة يفهم منه أنه علته بمسلك الإيماء والتنبيه قال في مراقي السعود في
تعداد صور الإيماء:
وذكره في الحكم وصفا قد ألم
كما إذا سمع وصفا
فحكم

ومنعه مما يفيت استفد
إن لم يكن علته لم يفد

.......................
ترتيبه الحكم عليه واتضح

ومحل الشاهد منه قوله: "استفد ترتيبه
الحكم عليه" وقوله: "وذكره في الحكم وصفا أن لم يكن علته لم يفد" ومما يوضح
ما ذكرنا أن قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} موصول وصلته جملة فعلية
وقد تقرر عند علماء النحو في المذهب الصحيح المشهور أن الصفة الصريحة كاسم
الفاعل واسم المفعول الواقعة صلة أل بمثابة الفعل مع الموصول ولذا عمل
الوصف المقترن بأل الموصولة في الماضي لأنه بمنزلة الفعل كما أشار له في
الخلاصة بقوله:
وغيره إعماله قد ارتضي
وإن يكن صلة أل ففي المضي

فإذا
حققت ذلك علمت أن الذين أوتوا الكتاب بمثابة ما لو قلت وطعام المؤتين
الكتاب بصيغة اسم المفعول ولم يقل أحد أن مفهوم اسم المفعول مفهوم لقب
لاشتماله على أمر هو المصدر يصلح أن يكون المتصف به مقصودا للمتكلم دون
غيره كما ذكروا في مفهوم الصفة فظهر أن إيتاء الكتاب صفة خاصة بهم دون
غيرهم وهى العلة في إباحة طعامهم ونكاح نساءهم فادعاء أنها مفهوم لقب سهو
ظاهر وظهر أن التحقيق أن المفهوم في قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}
مفهوم علة ومفهوم العلة قسم من أقسام مفهوم الصفة فالصفة أعم من العلة
وإيضاحه كما بينه القرافي أن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة تامة كوجوب
الزكاة في السائمة فإن علته ليست السوم فقط ولو كان كذلك لوجبت في الوحوش
لأنها سائمة ولكن العلة ملك ما يحصل به الغنى وهي مع السوم أتم منها مع
العلف وهذا عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة وظهر أن ما قاله الحافظ ابن
كثير رحمه الله تعالى هو الصواب وقد تقرر في علم الأصول أن المفهوم بنوعيه
من مخصصات العموم أما تخصيص العام بمفهوم الموافقة بقسميه فلا خلاف فيه
وممن حكى الإجماع عليه الآمدي السبكي في شرح المختصر ودليل جوازاه أن إعمال
الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ومثاله تخصيص حديث "ليّ الواجد يحل عرضه
وعقوبته" أي يحل العرض بقوله مطلني والعقوبة بالحبس فإنه مخصص بمفهوم
الموافقة الذي هو الفحوى في قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ} لأن فحواه
تحريم إذاهما فلا يحبس الوالد بدين الولد وأما تخصيصه مفهوم المخالفة ففيه
خلاف والأرجح منه هو ما مشى عليه الحافظ ابن كثير تغمده الله برحمته
الواسعة وهو التخصيص به والدليل عليه ما قدمنا من أن إعمال الدليلين أولى
من إلغاء أحدهما وقيل لا يجوز التخصيص به ونقله الباجي عن أكثر المالكية
وحجة هذا القول أن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق وهو مقدم
على المفهوم ويجاب بأن المقدم عليه منطوق خاص لا ما هو من أفراد العام
فالمفهوم مقدم عليه لان إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما واعتمد
التخصيص به صاحب مراقي السعود في قوله في مبحث الخاص في الكلام على
المخصصات المنفصلة :
وقسمي المفهوم كالقياس
واعتبر الإجماع جل الناس

ومثال
التخصيص بمفهوم المخالفة تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين شاة"
الذي يشمل عمومه السائمة لا زكاة فيها فيخصص بذلك عموم في أربعين شاة شاة
والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: ما صاده الكتابي بالجوار ح
والسلاح حلال للمسلم لأن العقر ذكاة الصيد وعلى هذا القول الأئمة الثلاثة
وبه قال عطاء والليث والأوزاعيث وابن المنذر وداود وجمهور العلماء كما نقله
عنهم النووي في شرح المهذب وحجة الجمهور واضحة وهى قوله تعالى: {وَطَعَامُ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} وخالف مالك وابن القاسم ففرقا
بين ذبح الكتابي وصيده مستدلين بقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ
وَرِمَاحُكُمْ} لأنه خص الصيد بأيدي المسلمين ورماحهم دون غير المسلمين قال
مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الاحتجاج لا ينهض على
الجمهور وأن الصواب مع الجمهور وقد وافق الجمهور من المالكية أشهب وابن
هارون وابن يونس والباجي واللخمي ولمالك في الموازية كراهته قال ابن بشير:
"ويمكن حمل المدونة على الكراهة".
المسألة الخامسة: ذبائح أهل الكتاب في
دار الحرب كذبائحهم في دار الإسلام قال النووي: " وهذا لا خلاف فيه" ونقل
ابن المنذر الإجماع عليه.
قوله تعالى : {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ..} الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن
النبي صلى الله عليه وسلم إذا تحاكم إليه أهل الكتاب مخير بين الحكم بينهم
والإعراض عنهم وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهى قوله تعالى:
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ..} الآية.
والجواب
أن قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} ناسخ لقوله: { أَوْ أَعْرِضْ
عَنْهُمْ} وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن
اسلم وعطاء الخراساني وغير واحد قاله ابن كثير. وقيل معنى {أَوْ أَعْرِضْ
عَنْهُمْ} أي إذا حكمت بينهم فاحكم بما أنزل الله لا باتباع الهوى، وعليه
فالأولى محكمة والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: {أو آخران من غيركم}
الآية : هذه الآية تدل على قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر وقد جاءت
آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون
بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} وقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك
هم الفاسقون}، أي فالكافرون أحرى برد شهادتهم وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل
منكم}، وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل
وامرأتان ممن ترضون من الشهداء..} الآية والجواب عن هذا على قول من لا يقبل
شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر أنه يقول إن قوله: {أو آخران من
غيركم} منسوخ بآيات اشتراط العدالة والذي يقول بقبول شهادتهما يقول هي
محكمة مخصصة لعموم غيرها وهذا الخلاف معروف ووجه الجواب على كلا القولين
ظاهر وأما على قول من قال أن معنى قوله: {ذوا عدل منكم} أي من قبيلة الموصي
وقوله: {أو آخران من غيركم} أي من غير قبيلة الموصي من سائر المسلمين، فلا
إشكال في الآية ولكن جمهور العلماء على أن قوله {من غيركم} أي من غير
المسلمين وأن قوله {منكم} أي من المسلمين وعليه فالجواب ما تقدم والعلم عند
الله تعالى .
قوله تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا
لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب}. هذه الآية يفهم منها أن الرسل لا يشهدون
يوم القيامة ، على أممهم وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أنهم يشهدون على
أممهم كقوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء
شهيدا} وقوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك
شهيدا على هؤلاء}. والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: وهو اختيار ابن جرير
وقال فيه ابن كثير: "لاشك أنه حسن" ، أن المعنى لا علم لنا إلا علم أنت
أعلم به منا فلا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شئ فنحن وإن عرفنا من
أجابنا فإنما نعرف الظواهر ولا علم لنا بالبواطن وأنت المطلع على السرائر
وما تخفي الضمائر فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم.
الثاني: وبه قال
مجاهد والسدي والحسن البصري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا لا
علم لنا لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على
أممهم.
الثالث: وهو أضعفها أن معنى قوله: {ماذا أجبتم} ماذا عملوا بعدكم
وما أحدثوا بعدكم؟ قالوا لا علم لنا ذكر ابن كثير وغيره هذا القول ولا
يخفى بعده عن ظاهر القرآن.
قوله تعالى: {قال الله إني منزلها عليكم فمن
يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين}. هذه الآية
الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة
وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك كقوله: {إن المنافقين في الدرك
الأسفل من النار} وقوله: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} .
والجواب أن آية {أدخلوا آل فرعون} وآية {إن المنافقين} لا منافاة بينهما
لأن كلا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب وليس في
الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابا من الآخر وأما قوله: {فإني أعذبه}
الآية فيجاب عنه من وجهين:
الأول: وهو ما قاله ابن كثير أن المراد
بالعالمين عالموا زمانهم وعليه فلا إشكال ونظيره قوله تعالى: {وأني فضلتكم
على العالمين} كما تقدم.
الثاني: ما قاله البعض من أن المراد به العذاب
الدنيوي الذي هو مسخهم خنازير ولكن يدل على أنه عذاب الآخرة ما رواه ابن
جرير عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أنه قال: "أشد الناس عذابا يوم
القيامة ثلاثة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون". وهذا
الإشكال في المائدة لا يتوجه إلا على القول بنزول المائدة وأن بعضهم كفر
بعد نزولها أما على قول الحسن ومجاهد أنهم خافوا من الوعيد فقالوا لا حاجة
لنا في نزولها فلم تنزل فلا إشكال لكن ظاهر القول تعالى: {أني منزلها}
يخالف ذلك وعلى القول بنزولها لا يتوجه الإشكال إلا إذا ثبت كفر بعضهم كما
لا يخفى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://teamdz.yoo7.com
wassim
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3300
نقاط : 9499
السٌّمعَة : 37
تاريخ التسجيل : 23/10/2009
العمر : 24

مُساهمةموضوع: رد: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (سورة الأنعام ) المائدة . الاعراف   الأحد فبراير 28, 2010 9:04 am

سـورة
الأعـراف



قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ
وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} الآية, هذه الآية الكريمة تدل على أن الله
يسأل جميع الناس يوم القيامة ونظيرها قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ
لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ, عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}, وقوله:
{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ}، وقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ
فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}، وقد جاءت آيات أخر تدل على
خلاف ذلك كقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا
جَانٌّ}, وكقوله: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}.
والجواب
عن هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: وهو أوجهها لدلالة القرآن عليه وهو أن
السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع, وأداته غالبا (لم )، وسؤال استخبار
واستعلام وأداته غالبا (هل) فالمثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع, والمنفي هو
سؤال: الاستخبار والاستعلام، وجه دلالة القرآن على هذا أن سؤاله لهم
المنصوص في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ
مَسْؤُولُونَ, مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ}, وكقوله: {أَفَسِحْرٌ هَذَا
أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ}، وكقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِنْكُمْ}، وكقوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}، إلى غير ذلك من الآيات،
وسؤال الله للرسل ماذا أجبتم لتوبيخ الذين كذبوهم كسؤال الموؤودة بأي ذنب
قتلت لتوبيخ قاتلها.
الوجه الثاني: أن في القيامة مواقف متعددة ففي
بعضها يسألون وفي بعضها لا يسألون.
الوجه الثالث: هو ما ذكره الحليمي من
أن إثبات السؤال محمول على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، وعدم السؤال
محمول على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه، ويدل لهذا
قوله تعالى فيقول: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} والعلم عند الله
تعالى.
• قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ
أَمَرْتُكَ} الآية.
في هذه الآية إشكال بين قوله: {مَنَعَكَ} مع (لا)
النافية؛ لأن المناسب في الظاهر لقوله: {مَنَعَكَ} بحسب ما يسبق إلى ذهن
السامع لا ما في نفس الأمر هو حذف (لا) فيقول: "ما منعك أن تسجد" دون "ألا
تسجد" وأجيب عن هذا بأجوبة؛ من أقربها هو ما اختاره ابن جرير في تفسيره وهو
أن في الكلام حذفا دل المقام عليه وعليه فالمعنى: ما منعك من السجود
فأحوجك أن لا تسجد إذ أمرتك وهذا الذي اختاره ابن جرير قال ابن كثير: "إنه
حسن قوي".
ومن أجوبتهم أن (لا) صلة ويدل له قوله تعالى في سورة (ص):
{مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} الآية، وقد وعدنا
فيما مضى أنا إن شاء الله نبيّن القول بزيادة (لا) مع شواهده العربية في
الجمع بين قوله: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} وبين قوله: {وَهَذَا
الْبَلَدِ الأَمِينِ}.
• قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ
بِالْفَحْشَاءِ} هذه الآية الكريمة يتوهم خلاف ما دلت عليه من ظاهر آية
أخرى وهي قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} الآية، الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه
الأول: وهو أظهرها أن معنى قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أي بطاعة الله
وتصديق الرسل ففسقوا أي بتكذيب الرسل ومعصية الله تعالى فلا إشكال في الآية
أصلا.
الوجه الثاني: أن الأمر في قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أمر
كوني قدري لا أمر شرعي، أي قدرنا عليهم الفسق بمشيئتنا، والأمر الكوني
القدري كقوله: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، والأمر في قوله: {قُلْ
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} أمر شرعي ديني فظهر أن الأمر
المنفي غير الأمر المثبت.
الوجه الثالث: أن معنى {أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا}: أي كثرناهم حتى بطروا النعمة ففسقوا، ويدل لهذا المعنى
الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد مرفوعا من حديث سويد بن هبيرة ـ رضي الله
عنه ـ: "خير مال امرئ مهرة مأمورة أو سكة مأبورة" فقوله مأمورة أي كثيرة
النسل وهي محل الشاهد.
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا
نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} الآية، وأمثالها من الآيات كقوله:
{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، وقوله: {وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}،
وقوله: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ} الآية، لا يعارض قوله تعالى: {لا
يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى}، ولا قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}،
لأن معنى {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} ونحوه أي نتركهم في العذاب محرومين من
كل خير والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا
هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} الآية ، هذه الآية تدل على شبه العصا بالثعبان وهو
لا يطلق إلا على الكبير من الحيات وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي
قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} الآية ، لأن
الجان هو الحية الصغيرة، والجواب عن هذا أنه شبهها بالثعبان في عظم خلقتها
وبالجان في اهتزازها وخفتها وسرعة حركتها فهي جامعة بين العظم وخفة الحركة
على خلاف العادة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://teamdz.yoo7.com
 
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (سورة الأنعام ) المائدة . الاعراف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
azar ds :: منتدى الاسلامي :: (¯`·._.·(منتدى القرآن الكريم )·._.·´¯)-
انتقل الى: